اساسيات تفسير الاحلام (1) الدرس الأول
مقدمة عن علم قواعد تفسير الأحلام
أقسام الرؤيا المنامية
اعلم وفقك الله أن مما يحتاج إليه المبتدئ في تفسير الأحلام أن يعلم أن جميع ما يرى في المنام على قسمين: فقسم من الله تعالى، وقسم من الشيطان، لقول الرسول ﷺ : الرؤيا من الله والحلم من الشيطان، (( أخرجه البخاري ومسلم )،
والمضاف إلى الله تعالى من ذلك هو الصالح، وإن كان جميعه، أى الصادقة وغيرها من الرؤى المنامية، هي خلقا لله تعالى، وأن الصالح من ذلك هي الرؤى الصادقة التي جاءت بالبشارة والنذارة، وهو الذي قدره النبي
ﷺ بقوله (جزءاً من ستة وأربعين جزءاً من النبوة, في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم، ولا بد لمفسر الأحلام ان يعلم
أن من كان على غير ملة الإسلام، وفساق المؤمنين، قد يرون الرؤيا الصادقة ، كما رأى فرعون وبختنصر وغيرهم.
بيان المكروه من الأحلام
فالمكروه من المنامات هو الذي يضاف إلى الشيطان،، وهذا الذي أمر النبي ﷺ بكتمانه والنقل عن يساره ووعد فاعل ذلك أنها لا تضره في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم،
وأن ذلك المكروه ما كان ترويعا أو تحزينا باطلاً أو حلما يؤدي إلى الفتنة والخديعة والغيرة دون التحذير من الذنوب والتنبيه على الغفلات والزجر على الأعمال المهلكات.
إذ لا يليق ذلك بالشيطان الآمر بالفحشاء، وإنما إضافة أباطيل الأحلام إلى الشيطان على أنه هو الداعي إليها،
وأن الله سبحانه هو الخالق لجميع ما يرى في المنام من خير أو شر، وأن اختلاف الموجب للغسل يعتبر مضاف إلى الشيطان،
وليست رؤيا تتحقق وكذلك ما تراءى من حديث النفس وآمالها، وتخاويفها وأحزانها مما لا حكمة فيه ولا دلالة تحتمل التأويل فيها لرائي المنام.
وكذلك ما يغشى قلب النائم الممتلئ من الطعام أو الخالي منه، لا يُعتبر رؤيا تُفسَّر، إذ لا دلالة فيه ولا فائدة منه.
وليس للطبع فيه صنع، ولا للطعام فيه حكم، ولا للشيطان مع ما يُضاف إليه من خلق، وإنما ذلك خلق الله سبحانه.
وقد أجرى العادة أن يخلق الرؤيا الصادقة عند حضور الملك الموكل بها، فتضاف بذلك إليه، وأن الله تعالى يخلق أباطيل الأحلام عند حضور الشيطان، فتضاف بذلك إليه.
وأن الكاذب على منامه مفترٍ على الله عز وجل، وأن الرائي لا ينبغي له أن يقص رؤياه إلا على عالم أو ناصح أو ذي رأي من أهله كما روي في بعض الخبر.
طرق التعبير ومعاني الرموز
على مفسر الأحلام أن يعلم أن التعبير للمنام قد يكون بمعاني الرموز في أصل التعبير، أو بالقياس على آية أو حديث، أو واقعة تاريخية قد وقعت في زمن النبي ﷺ أو الصحابة، أو بيت شعر مشهور، أو مثل شعبي، أو الكلام المتداول بين العامة، أو اللغة عند العرب ومعانيها، وكل ما جاء في علم البلاغة.
وقد يُعبر بالحال للأشخاص أو الأسماء، وإن كان الذي رآه الرائي في منامه نبيًّا من الأنبياء أو صحابيًّا وما شابه ذلك، فعلى المعبر أن يُعبر للرائي بما جرى لهذا النبي أو الصحابي بما يناسب حال صاحب المنام، مع عدم إهمال سياق الرؤيا وقرائنها.
وقد يكون التأويل بالمعنى أو بالاشتقاق والتصحيف للألفاظ، وقد يكون التعبير بالأسماء ومعانيها. وسيأتي البيان أكثر في سطور هذه المقالات المهمة لمحبّي علم التعبير والتوسع في أساسياته التي لا غنى للمعبر عنها.
ضوابط المعبر في التعبير
ولا ينبغي للمعبر أن يستعين على عبارته بحساب من حساب المنجمين يحسبه.
وعلى المعبر أن يعلم أن رؤية النبي محمد ﷺ في المنام حق، فقد وردت عدة أحاديث في باب رؤية النبي ﷺ، منها ما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة، ولا يتمثل الشيطان بي».
وفي المتفق عليه من حديث أنس رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتخيل بي».
وفي البخاري من حديث أبي قتادة رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «من رآني فقد رأى الحق».
رؤيا الميت والطفل والحيوان
وعلى المعبر أن يعلم أن الميت في دار حق، فما قاله الميت في المنام فهو حق بشرط أن يكون كلامه سليماً من الفتنة والغرور، وألا يخالف الشريعة المحمدية. وكذلك كلام الطفل الذي لا يعرف الكذب قوله حق، وكذلك الدواب وسائر الحيوان، والأعجم إذا تكلم فقوله حق، وكلام ما لا يتكلم يُعتبر آية وأعجوبة.
وكل كذاب في اليقظة كالمنجم والكاهن والساحر وأشباههم يُعتبر قولهم في المنام كذباً.
أحوال الرائي وأثرها في صدق الرؤيا
وعلى المعبر أن يعلم أن من نام على جنابة، أي جامع أهله ونام قبل أن يغتسل، قد تصدق رؤياه، وكذلك السكران ومن لم يبلغوا الحلم من البنات والأولاد، قد تصدق رؤياهم في بعض الأحيان، ولكن في الغالب يتسلط عليهم الشيطان بالأحلام في سائر الزمان، بخلاف من نام على وضوء وأذكار النوم.
وعلى المعبر أن يعلم أن الكذاب في أحاديث اليقظة قد تكذب عامة رؤياه، وأصدق الناس رؤيا أصدقهم حديثاً.
منهج المعبر في اختيار المعاني
وعلى المعبر أن لا يضع يده من الرؤيا إلا على ما تعلقت أمثاله ببشارة أو نذارة أو تنبيه أو منفعة في الدنيا والآخرة، ويطرح ما سوى ذلك لئلا يكون من الأضغاث أو حشو الكلام المضاف إلى الشيطان.
واعلم أخي المعبر للأحلام أن كل مفسر للأحلام يحتاج إلى اعتبار القرآن وأمثاله ومعانيه ومصطلحاته اللفظية، كقوله تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا﴾ [آل عمران: 112].
فنأخذ رمز الحبل في المنام على معناه في الآية. وقد جاءت تفاسير لمعنى الحبل في الآية، فقيل: معنى بحبل الله أي بعهد الله، كما قال في الآية بعدها: ﴿ضُربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس﴾ [آل عمران: 112] أي بعهد وذمة. وقيل: بحبل من الله يعني القرآن، كما في حديث الحارث الأعور عن علي مرفوعاً في صفة القرآن: هو حبل الله المتين، وصراطه المستقيم.
فنتناول الحبل بهذه المعاني على ما يناسب حال الشخص؛ فقد يكون التأويل للحبل أنه عهد الله، أو القرآن، أو الاجتماع وعدم الفرقة، أو صراط الله المستقيم. وقد تكون هذه المعاني لا تليق بصاحب المنام.
ومثال ذلك: إذا كان الرائي من العشاق، يصير معنى الحبل هو حبل الوداد مع المحبوب. وقد يُراد بالحبل للمرأة المتزوجة أنها تحبل، أي الحمل. لذلك على المعبر أن يجيد التصرف في وجوه المعاني بما يناسب حال الشخص.
أمثلة قرآنية ورمزية
ومن التأويل قياساً بما جاء في آيات القرآن، كقوله تعالى في صفات النساء: ﴿كأنهن بيض مكنون﴾ [الصافات: 49]، وقوله في المنافقين: ﴿كأنهم خشب مسندة﴾ [المنافقون: 4]، ومن هنا صار رمز الخشب في الأصل يدل على النفاق.
وفي قوله تعالى: ﴿إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها﴾ [النمل: 34]، فدل دخول الملك على قرية معروفة في المنام على الفساد والذل لأهل تلك القرية.
وفي قوله تعالى: ﴿أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً﴾ [الحجرات: 12]، فصار أكل لحم الإنسان في المنام دلالة على الغيبة.
أمثال الأنبياء والحكماء
يحتاج مفسر الأحلام إلى معرفة أمثال الأنبياء والحكماء، ويحتاج أيضاً إلى اعتبار أخبار الرسول ﷺ وأمثاله في التأويل، كقوله في الحديث عن خمس فواسق: وذكر الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور، فصاروا رمزاً للفسق.
وقوله في النساء: «إياك والقوارير»، فصارت القارورة ترمز للمرأة.
وقوله: «المرأة خُلقت من ضلع»، فصار الضلع أو الكتف يرمز للمرأة.
ويحتاج المعبر أيضاً إلى الأمثال المبتذلة، كقول إبراهيم عليه السلام لابنه إسماعيل: «غيّر أسكفة الباب»؛ أي طلق زوجتك. ومعنى ذلك أن الإنسان إذا رأى في المنام أنه يغيّر عتبة الباب، فمعناه أنه سيطلق زوجته ويتزوج أخرى.
وهذا طبعاً إن كان متزوجاً، وأما إن كان عازباً، دلت على نفس المعنى ولكن لأحد من أهله أو أقاربه أو شبيهه أو سميه، وهكذا.
أمثال من الحكماء والصالحين
وقول المسيح عليه السلام وقد دخل على مومسة يعظها: قال: «إنما يدخل الطبيب على المريض»، ويُعنى بالطبيب العالم، وبالمريض المذنب أو الجاهل.
وقول لقمان لابنه: «بدّل فراشك»، أي زوجتك، فالفراش كناية عن الزوجة.
وقول أبي هريرة حين سمع قائلاً يقول: خرج الدجال، فقال: «كذبة كذبها الصباغون»، يعني الكذابين.
