أساسيات تفسير الأحلام / الدرس الثالث
هذا هو الجزء الثالث من سلسلة قواعد تفسير الأحلام، وفيه يتضح أن المعبّر لا يكتفي بالنظر إلى ظاهر الرموز، بل يقيسها على الأمثال المضروبة للناس والأجناس، ويربطها بما يناسب حال الرائي وواقعه. يبين هذا الدرس كيف يمكن أن تدل الأشجار ذات الساق على العرب، وما لا ساق له على العجم أو من لا حسب له، وكيف يشترك الناس في الرؤيا بأسباب النسب أو الاسم أو الجوار أو المشابهة. كما يوضح أهمية مراعاة حال الرائي وظروفه، فلا تُنقل الرؤيا عن صاحبها إلا إذا دلّت القرائن على أن غيره أحق بها. ومن هنا يظهر أن المعبّر يحتاج إلى فطنة وذكاء ومعرفة بأحوال الناس والبلدان والأزمنة، ليكون تفسيره أقرب إلى الصواب وأكثر ارتباطًا بالواقع.
اعلموا رعاكم الله
انه لا بد لمفسر الأحلام النظر والقياس في الأمثال المضروبة للناس على الأقدار والأجناس، وما كان من الشجر ذات الساق التي اصلها من البلدان العربيه دلت على العرب، وما كان منها لا ساق لها كاليقطين ونحوه فهو من العجم، أو من لا حسب له كالمطروح والحميل واللقيط، وبذلك يتوصل المعبر للأحلام إلى فوائد الزوائد في الاشياء ولا يهملها لان لها دلاله في المنام.
وربما رأى الإنسان الشيء فعاد تأويله إلى شقيقه أو ربيبه أو سميه أو نسيبه أو صديقه أو جاره أو شيبهه في فن من الفنون، وإنما يشرك بين الناس في الرؤيا بوجهين من هذه الأسباب؛ كمن يتفق معه في النسب الواحد كشقيقه لاشتراكه معه في الأبوة والنسب والبطن، وكسميه وجاره ونظيره فلا تصح الشراكة إلا بوجهين فصاعدا.
ومن المهم ان نعرف انه لا تنقل الرؤيا أبداً برأسها عمن رؤيت له إلا ان كانت معاني الرؤيا لا تليق به ،،، بل يكون شريكه فيها أحق بها منه، بدليل يرى عليه، وشاهد في اليقظة، ،، كدلالة الموت ،، لا تنقل عن صاحبها إلا أن يكون سليم الجسم في اليقظة، وشريكه مريض طريح الفراش فيكون لمرضه أولى منه لدنوه من الموت واشتراكه معه في التأويل -
فلذلك يحتاج مفسر الأحلام أن يكون كما وصفوا أديباً ذكيا فطنا نقيا تقيا عارفا بحالات الناس وشمائلهم وأقدارهم وهيئاتهم، يراعى ما تتبدل مراثيه، وتتغير فيه عبارته عند الشتاء إذا ارتحل، ومع الصيف إذا دخل، عارفا بالأزمنة وأمطارها ونفعها ومضارها، وبأوقات ركوب البحار، وأوقات ارتجاجها، وعادة البلدان وأهلها وخواصها، وما يناسب كل بلدة منها وما يجيء من ناحيتها،
كقول القتبي في الجاووس ربما دل على قدوم غائب من اليمن لأن شطر اسمه جا والورس (نوع من انواع الطيور ) لا يكون إلا من اليمن،
وعلى مفسر الأحلام ان يكون عارفا بتفصيل المنامات الخاصية من العامية فيما يراه الإنسان من المرئيات التي تجتمع العالم والخلائق في نفعها :
كالسماء والشمس والقمر والكواكب والمطر والريح والجوامع والرحاب، في الغالب تكون اقرب للرؤى العامة، إلا إذا اقترنت في المنام بدلالات وشواهد تخص رائي المنام.
ومثال ذلك ، اذا رأى احدى هذه الرموز في بيته او في ممتلكاته، حينها تكون اشاره ان الرؤيا المناميه تخصه، وفي هذه الحاله تكون الرؤيا خاصة وليست عامه،
وعلى مفسر الأحلام ان يكون عارفا بالاخلاط الاربعه، واشكال المنامات التي تتعلق بها وهي :
غلبة السوداء، وغلبة الصفراء، وغلبة البلغم، وغلبة الدم.
وقد قالت القدماء من غلبت عليه السوداء رأى الأحداث والسواد والأهوال والأفزاع في منامه، وإن غلبت عليه الصفراء رأى النار والمصابيح والدم والمعصفر في منامه، وإن غلب عليه البلغم رأى البياض والمياه والأنداء والأمواجفي منامه،
وإن غلب عليه الدم رأى الشراب والرياحين والعزف والصفق والمزامير في المنام.
وقد جاءت روايه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: الرؤيا ثلاثة فرؤيا بشرى من الله تعالى، ورؤيا من الشيطان، ورؤيا يحدث بها الإنسان نفسه فيراها ).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
ذهبت النبوة وبقيت المبشرات
والحديث لزيد بن أسلم، مرسل مالك
عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: لن يبقى بعدي من النبوة إلا المبشرات، قالوا: وما المبشرات يا رسول الله؟
قال: الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له، (جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة).
هكذا روى هذا الحديث جميع الرواة عن مالك،
وقد قال بعض المفسرين في قوله عز وجل: لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۚ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ((يونس: 64))
🟢 عن الأعمش، عن أبي صالح، عن عطاء بن يسار، عن رجل من أهل مصر، عن أبي الدرداء في قوله: ( لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) قال: سأل رجل أبا الدرداء عن هذه الآية، فقال: لقد سألت عن شيء ما سمعت [ أحدا ] سأل عنه بعد رجل سأل عنه رسول الله، فقال: هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل المسلم، أو ترى له، بشراه في الحياة الدنيا، وبشراه في الآخرة [ الجنة ].
وروي عن أبي الدرداء قال: إذا نام الرجل عرج بروحه إلى السماء حتى يؤتى بها العرش فإن كان طاهراً أذن لها بالسجود وإن كان جنباً لم يؤذن لها في السجود.
فالحديث رواه البيهقي في شعب الإيمان عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: إن الأرواح تعرج بها في منامها، وتؤمر بالسجود عند العرش، فمن كان طاهراً سجد عند العرش، ومن كان ليس بطاهر سجد بعيداً من العرش. قال البيهقي هكذا جاء موقوفاً، وتابعه ابن لهيعة عن وهب.
ورواه ابن المبارك في الزهد عن أبي الدرداء، قال: إذا نام الإنسان عرج بروحه حتى يؤتى بها إلى العرش فإن كان طاهراً أذن لها بالسجود وإن كانت جنباً لم يؤذن لها بالسجود. وقد ورد الدليل على أن الجنب يتوضأ للنوم، ونص بعض الفقهاء على أن الحائض إذا أصابتها جنابة فإنه يسن لها أن تغتسل غسل الجنابة، وأن هذا الغسل يرفع عنها حكم الجنابة، ويبقى عليها حكم الحيض.
قال ابن قدامة: فإن اغتسلت للجنابة في زمن حيضها صح غسلها، وزال حكم الجنابة، وحكم الحيض لا يزول حتى ينقطع الدم، لأن أحد الحدثين لا يمنع ارتفاع الآخر.
وأما الوضوء فإنها تتوضأ عند النوم إذا كان دمها قد انقطع وإلا فهي معذورة، قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري بعد أن ذكر استحباب وضوء الجنب عند النوم: وكالجنب فيما ذكر الحائض والنفساء إذا انقطع دمهما ذكره -النووي- في الروضة عن الأصحاب. والعلم عند الله.
وقد اختلف الناس في النفس والروح، فقال بعضهم هما شيء واحد، مسمى باسمين، كما يقال إنسان ورجل، وهما الدم أو متصلان بالدم ببطلان بذهابه، والدليل على ذلك أن الميت لا يفقد من جسمه إلا دمه.
واحتجوا لذلك أيضاً من اللغة بقول العرب : نفست المرأة إذا حاضت، ونفت من النفس وبقولهم للمرأة عند ولادتها نفساء لسيلان النفس، وهو الدم، وربما لم يزل جاريا على السنة الناس من قولهم: سالت نفسه إذا مات.
وقال آخرون: هما شيئان فالروح باردة، والنفس حارة، ولهذا النفخ يكون من الروح، ولذلك تراء بارداً بخلاف النفس من النفس فإنه سخين.
وسمت العرب النفخ روحا لأنه من الروح يكون على مذهبهم في تسمية الشيء بما كان متصلاً به وسبباً له، فيقولون للنبات: ندى؛ لأنه بالندى يكون ويقولون للمطر: سماء لأنه من السماء ينزل.
وهذه امرأة استرقت لولدها فابتغت الروح أى في نفخ الراقي إذا نفث في ماء من ماء العيون وأخذوا النفس من النفس، وقالوا للنفس: نسمة، يقال على فلان عشق نسمة؛ أي عتق نفس.
والله عز وجل يقول: (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً (الإسراء: ٨٥).
وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن الروح روح الحياة في هذه المواضع، وذهب بعض المفسرين إلى أنه ملك من الملائكة يقوم صفا وتقوم الملائكة صفا، فإن كان الأمر على ما ذكر الأولون فكيف يتعاطى علم شيء استأثر الله عز وجل به ولم يطلع عليه رسول الله, وقد امتحن بالسؤال عنه ليكون له شاهدا ولنبوته علما.
شاهد أيضا:
قواعد وأساسيات تفسير الأحلام: الدرس الرابع
والحمد لله رب العالمين, وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين.
